عزيز وانتصار جديد / الشيخ ولد المامي

القصة: سئل علي رضي الله عنه لماذا لم يهزمك أي مبارز منذ ان كنت حدثا فأجاب، ما ذهبت الى خصم الا وأنا أجزم انني سأقلته وما ذهب الي خصم الا وهو يعلم أنى سأقتله فأكون أنا ونفسه عليه فأنتصر.

المقال: لم يتعود جنرال الاحتياط محمد ولد عبد العزيز الرئيس الحالي ان يخسر المعارك امام خصومه وينسحب بدماغ رياضية

 تاركا الميدان لهم وراضيا من الغنيمة بالإياب، بل ان الواقع اثبت العكس والشواهد على ذلك أكثر من ان يتسع لها فحوى مقال عابر.

صحيح ان المعركة الميدانية اليتيمة التي سجلها له التاريخ حسب علمي هي معركته ضد فرسان التغيير من اجل إعادة ارساء دعائم حكم العقيد معاوية ولد الطائع التي اهتزت امام هدير دبابات الفرسان ليقوض العزيز هديرها في وقت قياسي ويدمرها "دبابة دبابة" ويفسح المجال امام العقيد لبدأ مرحلة حالكة من حكمه، فقد فيها معاوية حلمه وخيطه المشهور، وحينما فكر العقيد في أعادة العزيز الى الميدان مرة ثانية كان هو من وضع لها الحد النهائي. 

ومع بواكير خروجه من القمقم قلم العزيز اظافر أقوى رفاق سلاحه حينما هم بتمديد الفترة الانتقالية حسب ما أوردت المصادر آن ذاك، ثم شفعها بإخراجه من المشهد السياسي – عمليا – عبر بتر معظم الاذرع التي بسطها في مختلف الارجاء الوطنية طيلة عشرين سنة من النفوذ، والتحكم في المؤسسة الأمنية، ليكتفي الرفيق بعدها بمهمة البحث في مصداقية الباء التي منحته 3% مقابل 52% للعزيز، في اول مواجهة سياسية حقيقية بينهما.

وجد الرئيس "المنتدب" سيدي ولد الشيخ عبد الله نفسه خارج اللعبة حينما رأى وجهه في مرآة حمامه بدلا من وجه العزيز ولم يشفع له اجماعه الدولي والوطني، ليستسلم في اول جولة متخذا من قريته الصغيرة القابعة بين الكثبان منتبذا قصيا مكتفيا بإمامة مصلّاها بديلا عن قيادة بلده.

لم يصدق امبراطور "الرأسمالية" محمد ولد بوعماتو نفسه حينما وجد الظروف التي أوجدت إمبراطوريتي اهل عبد الله وأهل النويكظ المنافستين له تتجسد امام عينيه وتفسح له المجال لقطع أشواط كبرى امام النافسين، فاستثمر الرجل بسخاء في مشروعه الجديد، وتحمل أعباء تأسيسه عن طريق أمواله وشبكة علاقاته العابرة للحدود والقارات، ليجد نفسه في الأخير امام حظوة جديدة تحصد ثمار ما زرعه بالعرق والدم، وأكثر من ذلك وجد نفسه عرضة للمساءلة في صفقات عفا الزمن على من عقدت في أيامه، في نفس الخندق مع أعداء العزيز ، فأصبح المهجر خياره الوحيد، ليبدأ مقاومته من الخارج.

صحيح ان اللّحام العائلي للرجلين ذو تمرس ومهارة، لكن عدم معرفة كُنه الخلافات بين الرجلين، والتي ليست مما يوضع على الطاولة حسب المقربين، ظل عصيا امام شتى محاولات رأب الصدع.

ورغم طول نفس بوعماتو وإمبراطورتيه المالية وشبكة علاقاته المترامية الاطراف تم تقويض العزيز لأذرعه الداخلية والخارجية، ووجد نفسه مطاردا لا أرض تقله ولا سماء تظله، ما ان يحط عصى الترحال في منزل، حتى يجد الأذرع العزيزية تمتد اليه من جديد.

اقام الحراك الحقوقي دنيا البلاد ولم يقعدها، فأصبح لكل شريحة موريتانية شرائحيوها، وخاف الوطنيون على لحمة البلاد، لكن العزيز ترك لهم مساحة ذات قوالب مهيأة لينحصر كل فصيل في زاوية رسمها العزيز له دون ان يحس، ليجد نفسه في الأخير مرغما على قبول الأمر الواقع، بل وصل الحال الى أن دجن العزيز أبرز حقوقي مناوئ لمنظومته الاجتماعية وأوجد منه المنافس المقنع في الرئاسيات الأخيرة.  

استقرت العلاقة بين رمز المعارضة احمد ولد داداه وعزيز على المجافاة، بعد ما اعترف الأول بخطئه في مناصرة انقلاب الأخير على منافسه السابق ولد الشيخ عبد الله، ليشد أزر جبهة الدفاع عن الديمقراطية، كطرف ثالث في حوار دكار، ويوقعوا الاتفاق بعد مخاض عسير، وتسجل الأحزاب حسب رأيها "ثلاثية" مقابل واحد في الوقت بدل الضائع في مرمى العزيز، ليصحو الجميع بعد ذلك صبيحة اعلان نتيجة الانتخابات التي تمخض عنها الحوار على خبر يفيد ان "الهاتريك" سجل خارج الوقت القانوني وان العزيز هو من ربح المباراة.

لم يستسلم العَود الحرون لتلك الجولة، ليوصل ما قطعت المواقف الاستعجالية من عرى العلاقات مع رفاق الرفض، وتتنوع الاشكال الهندسية لهم حسب كل مرحلة ومتطلباتها ثم ينصهر الجميع أخيرا في كتلة جديدة ختمت بختم جديد أطلق عليه "المنتدى" بعدما اقتطع العزيز من سنامه أحزاب المعاهدة ليشرع بهم مأموريتيه الدستوريتين.

ورغم تعدد مكونات الهيكل الجديد وكثرة فرصه في نيل الاجماع ومعارضته الشرسة، ظل المنتدى لعبة "دومينو" في يد العزيز يشكلها حسب المراحل والحاجات ويستغني عنها حيثما وكيفما شاء فاستغل العزيز تعطش "قوم جميل" للحكم فاقتطعهم من المنتدى ولون بهم برلمانه الجديد، ثم أعادهم لرفاقهم بعد انتهاء المهمة.

همش المنتدى طيلة سنوات حكمه حتى قال (يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفي لنا الكيل وتصدق علينا).

استسلم المنتدى في الأخير وقال "حقي برقبتي" ورفع الراية البيضاء، ووقع شروط العزيز، ليضيف العزيز نصرا جديدا لسلسلة انتصاراته، فنتائج انتساب الحزب الحاكم الأخيرة دقت ناقوس الخطر حول خلو الساحة من غيره، ولا بد للمنتدى إذا من حراك في غير اتجاهه التقليدي وقنوات الاتصال مع الأغلبية موجودة ومهندسي الاتفاق واخلاصهم في خدمة الجمهورية آليات ستسهل المهمة، فطالما كان الرجلان من "المخلصين" في خدمة الجمهورية.

استسلم المنتدى وترك العزيز له ما يحفظ له ماء وجهه امام الجمهور، لكن ذلك لم يغير في الأمر شيئا، فالنصر ليس له اسم آخر سوى النصر، والهزيمة ليس لها اسم آخر سوى الهزيمة. 

للعبرة: صمد المنصف المرزوقي كمعارض لا يقبل المساومة لحكم بن علي طوال سنوات حكم الأخير، ورغم جهود الدولة البوليسية لاحتضانه الا ان المرزوقي ظل ثابتا على موقفه ليكون اول رئيس لتونس بعد الثورة التي أطاحت ببن علي.

كُتاب موريتانيا